ابن عربي
59
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
وأمهات ، وأحياء وأموات ، جمع وأشتات ، وآيات بعد آيات . إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا ، ليل داج ، وسماء ذات أبراج ، وأرض ذات أفجاج ، وبحار ذات أمواج . ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا هناك فناموا ؟ أقسم قس قسما ، حقا لا حانثا فيه ولا آثما ، إن للّه دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ، ونبيا قد حان حينه ، وأظلكم أوانه ، وأدرككم إبانه ، فطوبى لمن أدركه فآمن به وهداه ، وويل لمن خالفه وعصاه . ثم قال : تبا لأرباب الغفلة ، والأمم الخالية ، والقرون الماضية . يا معشر إياد ، أين الآباء والأجداد ؟ وأين المريض والعواد ؟ وأين الفراعنة الشداد ؟ أين من بنى وشيّد وزخرف ونجّد ؟ أين المال والولد ؟ أين من بغى وطغى وجمع فأوعى ؟ وقال : أنا ربكم الأعلى . ألم يكونوا أكثر منكم أموالا ؟ وأطول منكم آجالا ؟ طحنهم الثرى بكلكله ، ومزّقهم بطوله ، فتلك عظامهم بالية ، وبيوتهم خالية ، عمرتها الذئاب العاوية ، كلا ، بل هو اللّه الواحد المعبود ليس بوالد ولا مولود . ثم أنشأ يقول : في الذاهبين الأولي * ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إليّ * ولا من الباقين عابر أيقنت إني لا محا * لة حيث صار القوم صائر قال : ثم جلس ، وقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل ذو هامة عظيمة ، وقامة جسيمة ، قد دوّم عمامته وأرخى ذؤابته ، منيف أنوف أشدق ، أجش الصوت ، فقال : يا سيد المرسلين وصفوة رب العالمين ، لقد رأيت من قس عجيبا ، وشهدت منه أمرا غريبا . فقال : « ما الذي رأيته وحفظته عنه ؟ » ، فقال : خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا إليّ شرد مني ، أقفو أثره ، وأطلب خبره في نتائف حفاف ذات دعادع وزعازع ، ليس لها للركب مقيل ، ولا لغير الجن عليها سبيل ، وإذا أنا بموئل مهول في طود عظيم ، ليس فيه إلا البوم ، وأدركني الليل فولجته مذعورا ، لا آمن فيه حتفي ، ولا أركن إلى غير سيفي ، فبتّ بليل طويل كأنه بليل موصول ، أرقب الكواكب ، وأرمق الغيهب ، حتى إذا الليل عسعس ، وكاد الصبح أن يتنفس ، هتف بي هاتف يقول : يا أيها الراقد في الليل الأجم * قد بعث اللّه نبيا في الحرم